في ضوء “الاعتصام” الذي نفذه 20 من الأعضاء الديمقراطيين في مجلس النواب الأمريكي مؤخراً بمقر المجلس، للمطالبة بالتصويت على تشديد التشريعات الخاصة بحيازة الأسلحة النارية؛ يحلل كيلي غروفير في السطور المقبلة تلك الهيئة الجسدية التي يبدو عليها الإنسان وهو بصدد اتخاذ مواقف شجاعة.

للوهلة الأولى؛ من العسير أن يستدعي المرء إلى الذهن صورتيّ مكانين في العالم الغربي أشد اختلافاً عن بعضهما البعض، من مقر الكونغرس الأمريكي ذي الطابع الفخم المهيب المترف، والأنفاق المغبرة والمزعجة والقاتمة التي تسير فيها القطارات تحت الأرض في العاصمة البريطانية لندن.

ومع ذلك، فإن الصور التي انتشرت كالنار في الهشيم مؤخراً لأعضاء في الكونغرس الأمريكي وهم يتمددون أرضاً بمقر مجلس النواب، خلال اعتصامٍ للمطالبة بالتحرك لتشديد التشريعات الخاصة بحيازة السلاح، بدت وكأنها محاكاةٌ على نحو غير مألوف للوحاتٍ للرسام والنحات الإنجليزي هنري مور، وثّق فيها ما فعله سكان لندن خلال الحرب العالمية الثانية من احتماء بأنفاق المترو للنجاة بحياتهم من الغارات، رغم ما انطوى عليه ذلك المسلك من تكدس ومتاعب جمة.

وبالرغم من الاختلاف الشديد بين سياقيّ صورة الأعضاء المعتصمين في الكونغرس ولوحات المحتمين بأنفاق لندن، فإن ثمة تشابهاً غريباً بينهما يتمثل في سمت الإرهاق والاسترخاء المنهك الذي يُخيم على كل منهما؛ وهو ما يدعونا إلى التأمل في الهيئات الجسدية التي يتخذها المرء حينما يُقْدِم على مواقف تنطوي على شجاعة.

وبينما يعبر هذا الاسترخاء المُرْهق في صورة النواب الأمريكيين عن تحدٍ سياسي، فإنه يعكس في اللوحات التي تُصوّر المحتمين بأنفاق المترو، انتظاراً مُفعماً ببسالة وشجاعة، وإن كانت منهكة في الوقت ذاته.

ففي 22 يونيو/حزيران، قاد جون لويس، أحد أبرز رموز الدفاع عن الحريات المدنية في الولايات المتحدة، مجموعة مُفعمة بالحماسة تضم 20 من الأعضاء الديمقراطيين في مجلس النواب، ممن آثروا ترك تلك الراحة النسبية التي توفرها لهم مقاعدهم الوثيرة في مقر الكونغرس، وذلك للاعتصام أملاً في الحيلولة دون فض أعمال مجلس النواب دون التصويت على مشروع قانون يقضي بتشديد الإجراءات المطبقة في البلاد بشأن حيازة الأسلحة.

وجاءت هذه الخطوة غير المعتادة بعدما شهدت الولايات المتحدة أكثر الهجمات المرتبطة بامتلاك وحمل الأسلحة، دموية في تاريخها، وذلك حينما قُتل 49 شخصا في 12 يونيو/حزيران، إثر هجوم نفذه مسلح على ملهى ليلي للمثليين في مدينة أورلاندو بولاية فلوريدا.

وعلى الرغم من التأييد الشعبي الكاسح لإدخال تغييرات على التشريعات المتعلقة بحيازة الأسلحة عقب هجوم أورلاندو (إلى حد أن استطلاعاً أجرته شبكة “سي إن إن” أشار إلى أن هذا الدعم قفز ليصل إلى نحو 90 في المئة) فإن مجلس الشيوخ صوّت بالرفض على سلسلة تشمل أربعة تدابير، من بينها تشريعٌ يمنع المُدرجين على قائمة مراقبة للاشتباه في ضلوعهم في أنشطة إرهابية من شراء أسلحة.

Image copyright The Henry Moore Foundation

Image caption لوحة للرسام والنحات الانجليزي هنري مور تعود إلى عام 1942 وتُظهر مجموعة من سكان لندن ينشدون ملاذاً للاحتماء من الغارات خلال الحرب العالمية الثانية

وحرص الجمهوريون في مجلس الشيوخ على ألا تحظى هذه المقترحات بالنصاب اللازم لإقرارها، والمتمثل في تأييد 60 من أعضاء المجلس، تخوفاً من أن تشكل محاولة ناعمة في الظاهر؛ لإفقاد الأمريكيين – في نهاية المطاف – ذلك الحق الدستوري الفضفاض الممنوح لهم بشأن حمل السلاح.

أما في مجلس النواب، فقد تركزت جهود المناوئين لتلك المقترحات على الحيلولة دون التصويت عليها، قبل فض أعمال المجلس، بمناسبة بدء العطلة الخاصة باحتفالات عيد الاستقلال الأمريكي الذي يحل في الرابع من يوليو/تموز.

ولكن لويس المخضرم والخبير في مثل هذه الاعتصامات السياسية السلمية أبدى إصراراً على ألا يحقق الجمهوريون هذا الهدف، دون أن تواجههم في ذلك منغصات. وتضمنت تحركاته في هذا الصدد هتافات عنيفة رددها المشاركون الديمقراطيون في ذلك العمل الاحتجاجي من بينها “لا عطلة دون قانون!”.

وبالنسبة للكثير من المعلقين السياسيين، أدى الطابع الجاد والمثير للإعجاب الذي اكتست به قيادة لويس الوقورة للاحتجاجات، إلى أن تُفعم بصدى تاريخي قوي، أعاد إلى الأذهان مواقف مشابهة، تبناها هذا الرجل وغيره من النشطاء، في غمار تحركاتهم للمطالبة بالحريات المدنية في ستينيات القرن العشرين.

وقد التُقطت صور النواب الديمقراطيين المحتجين بكاميرات هواتف محمولة، لتنتشر بسرعة البرق عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وجرى التقاطها من زاوية مُميّزة على نحو غريب، ومن قبل بعض هؤلاء النواب أنفسهم، لتبدو نابضةً بطابع حميمي وعاطفي مكبوحٍ ومُقيدٍ في الوقت ذاته، ما يجعلها ذات سمت لا نظير له من بين الصور التي تُوثق حقبة الاحتجاجات في ستينيات القرن الماضي.

لكن الوضعيات التي وثّقتها هذه الصور للنواب الأمريكيين، شكلت بالأحرى تذكيراً بتلك التكوينات البشرية المعقدة والغريبة، التي بدا عليها أولئك الشجعان الرازحون تحت الضغوط، ممن جلسوا القرفصاء في أنفاق لندن خلال الحرب العالمية الثانية، عازمين على البقاء على قيد الحياة، حتى موعد الغارة التالية.

فمثلها مثل صور النواب الأمريكيين، كان تأثير لوحات مور – المفعمة بالقلق والتشوش والتي تُوثّق بطولة اللندنيين ممن اضطروا إلى الاحتشاد مُتخندقين تحت الأرض هرباً من الهجمات الجوية الألمانية عاميّ 1940 و1941 – مُستمَدا من جلد وشجاعة أولئك الذين جلسوا ساكنين غير مهندمي المظهر ويبدو عليهم الإرهاق.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Culture.



واصل قراءة المقالة